الجاحظ
42
المحاسن والأضداد
وقال غيره : احفظ لسانك لا تقول فتبتلي * إنّ البلاء موكّل بالمنطق وقال غيره : لعمرك ما شيء علمت مكانه * أحقّ بسجن من لسان مذلّل على فيك ممّا ليس يعنيك قوله * بقفل شديد حيث ما كنت فأقفل قيل : تكلم أربعة من الملوك بأربع كلمات كأنما رميت عن قوس واحد : قال كسرى : « أنا على رد ما لم أقل أقدر مني على رد ما قلت » ، وقال ملك الهند : « إذا تكلمت بكلمة ملكتني ، وإن كنت أملكها » ؛ وقال قيصر : « لا أندم على ما لم أقل ، وقد ندمت على ما قلت » ، وقال ملك الصين : « عاقبة ما قد جرى به القول أشد من الندم على ترك القول » . وقال بعضهم : « من حصافة الإنسان أن يكون الاستماع أحب إليه من النطق ، إذا وجد من يكفيه ، فإنه لن يعدم الصمت . والاستماع سلامة ، وزيادة في العلم » ، وقال بعض الحكماء : « من قدر على أن يقول فيحسن ، فإنه قادر على أن يصمت فيحسن » . وقال بعضهم : كان ابن عبيدة الريحاني المتكلم الفصيح صاحب التصانيف يقول : « الصمت أمان من تحريف اللفظ ، وعصمة من زيغ المنطق ، وسلامة من فضول القول » . وقال أبو عبيد اللّه كاتب المهدي : « كن على التماس الحظ بالسكوت احرص منك على التماسه بالكلام » . وكان يقال : « من سكت فسلم كان كمن قال فغنم » . وقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم : « إن اللّه تعالى يكره الانبعاق في الكلام . ويرحم اللّه امرأ أوجز في كلامه ، واقتصر على حاجته » . قيل : وكلم رجل سقراط « 1 » عند قتله بكلام أطاله ، فقال : « انساني أول كلامك طول عهده ، وفارق آخره فهمي لتفاوته » . ولما قدم ليقتل بكت امرأته فقال لها : « ما يبكيك » ؟
--> ( 1 ) سقراط ( 469 - 399 قم ) فيلسوف يوناني ولد في أثينا وعلم فيها الحكمة اتهم بالالحاد وحكم عليه بالأعدام . أهتم بالأخلاق والإنسان دون الطبيعيات والرياضيات .